قطر و إستراتيجية الخط الأزرق
بقلم: عبد القادر سعيد
بعد أكثر من سنة ونصف من الانشقاق السياسي الذي عاشته لبنان بين معارضة وموالاة، شهدت العاصمة القطرية الدوحة اتفاقا بين الفرقاء أدى إلى التوافق على انتخاب رئيس جمهورية توافقي و تكوين حكومة وحدة وطنية وإعادة النظر في قانون الانتخاب اللبناني.وقد تم إنجاز أول بند من هذا الاتفاق وهو انتخاب الرئيس وهو العماد ميشال سليمان، في حين لا يزال السعي لإتمام ما تبقى من بنود التزم بها الطرفين.
غير أن الذي يشد انتباه المتابع لهذه الوساطة العربية – القطرية يلاحظ تطورا أو حالة جديدة في النسق الدبلوماسي العربي ويجد أن هناك حركية جديدة ودور جديد تقوم به (حكومة قطر) في المسار السياسي العربي، و يطرح هذا الدور وهذا التحرك أكثر من سؤال و يُوجدُ أكثر من تحليل، كون قطر ليست بالدولة العربية ذات الحجم الجغرافي الكبير و لا بالدولة ذات الموقع الاستراتيجي الذي يمنحها هذا الدور و هذه الحركة الدبلوماسية النشطة، وهذا ما صرح به أمير قطر في افتتاح جلسات الحوار الوطني اللبناني حيث عبر بكل صراحة بقوله: ( قطر ليست دولة كبيرة و لكنها تسعى لأن تكون ساحة للقاء). وبهذا المعطى الرسمي تصطف أمام المراقب لدور قطر في المنطقة الخليجية أو العربية محطات متعددة ومختلفة في شدتها وفي صوابها، تنبؤ عن دور غير عادي تمثله حكومة قطر رغم ضعف المساحة و قلة التعداد و قلة الرصيد السياسي الدبلوماسي لها.
وهذا ما دفع بالعديد من المراقبين إلى يطرحون سؤالا جوهريا حول هذه الحالة السياسية العربية الجديدة بحيث يتمحور هذا السؤال على النحو الآتي: على ماذا تبحث قطر في هذا الراهن العربي؟ وهل هي على مقدرة بأن تقوم بأدوار سياسية كبيرة رغم نقيصة المساحة و التجربة التاريخية السياسية لها؟
بوقوفنا عند مجموعة من المحطات التي تتشكل منها الصورة الدبلوماسية القطرية الفتية وعن دورها المحتل في حل قضايا ذات تعقيد وتشابك مثل القضية اللبنانية، يمكن رصد هذه الأجزاء من الصورة الكاملة:
· قامت قطر بجمع الفرقاء اللبنانيين على طاولة واحدة، رغم أن هناك دولا كبرى تدخلت لنفس الهدف وكلمنها فشلت، وهنا نذكر اجتماع (سانكلو بفرنسا) الذي ضم قيادات الصف الثاني و الذي لم يتمكن من الانتقال إلى قيادات الصف الأول، ولم يحدث أي تقدم في القضايا العالقة آنذاك.
· حملت قطر على نفسها قيادة دول عربية لها باع ورصيد تاريخي في العمل الدبلوماسي، فرغم فتوة التجربة السياسية والدبلوماسية نجدها تتحرك – أي قطر- وتتبعها دولة من الجزائر و التي كان لها دور ريادي في قضايا شائكة مثل الحرب الإيرانية- العراقية، و دولة مثل المملكة الأردنية التي دخلت في هندسة اتفاقات بين الجانب الإسرائيلي و الفلسطيني، واليمن والإمارات والتي كانت من الدول العربية السباقة في طرح مبادرات للحل.
· أخيرا فإن المشاورات الثنائية التي كان يقوم بها رئيس الوزراء وزير الخارجية حمد بن جاسم آل ثاني، كانت تقوم على أساس تجاوز الاختلاف والبحث في التوافق، ولم تكن المشاورات بصورة حمل شروط هذا لذاك بل كانت عن طريق التشاور حول مقترح توافقي تصوغه اللجنة الوزارية العربية مع الدولة الرئيسية للجنة، ومن ثم يتم النقاش حوله، وهو ما اعتبر حالة جديدة في فهم التعقيد الحاصل في المشكلة اللبنانية.
ولكن بعيدا عن هذا الدور الذي لعبته قطر في الحل اللبناني – وهذا بدل المشكل كوننا نشجع الجهد العربي-، يمكن أن نناقش الدور القطري و السياسية الخارجية لها من خلال مواقف تعد أكثر تدليلا على الحالة التي وصفناها بالجديدة، ولتوضيح أكثر نأخذ العينات التالية و التي يمكن أن تساعد في تحليل دور قطر لعربي والإقليمي الفتي، والتي هي كالآتي:
· حكومة قطر أسست قناة الجزيرة الفضائية، هذه الأخيرة التي تسببت في العديد من الأزمات الدبلوماسية مع دول عربية وأجنبية، حتى وصل التفكير في قصفها كما تم ترويجه في أواخر سنة2006، وطرح حول دور القناة جدلية من عرف الآخر: هل قطر عرّفت الجزيرة أم أن الجزيرة هي التي عّرفت قطر؟ هذه العلاقات أوجدت العديد من التساؤلات حول طبيعة الدور الذي أنيط بقناة الجزيرة في السياسية القطرية عموما.
· امتلكها لأكبر قاعدة عسكرية أمريكية على أراضيها قاعدة العديد ، وهي القاعدة التي تم انطلاق الحملة العسكرية الاستعمارية منها على العراق سنة 2003.
· مجاهرتها بالعلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل بخلاف الدول العربية ذات القرب الجغرافي و العملياتي، إضافة إلى ذلك ترى أنها لا تقوم إلا بمثل ما تقوم به غيرها من الدول العربية الكبرى ولكن من دون نفاق سياسي، و هو ما أوجد بحثا في ثنائية هل أن هذا اعتدال أم نفاق؟ خصوصا وأن هناك مشاريع مستقبلية بين قطر و إسرائيل أهمها مشروع الغاز المميع.
· من جانب آخر مواقفها في جلسات مجلس الأمن بالأمم المتحدة وهي ممثلة المجموعة العربية والتي عملت على تأخير واستبدال عبارات بأخرى أكثر تهذيبا واستبدال بنود بغيرها، وهو ما حدث مثلا في قرار 1701 المتعلق بوقف العمليات العسكرية بين الجانب اللبناني وإسرائيل في حرب تموز 2006، بالإضافة إلى مشاركتها في قوات حفظ السلام الأممية رغم ضعف التجربة في الميدان.
· وساطتها في النزاع المسلح بين السلطة اليمنية و الحوثيين الذي أدى إلى توقف الاقتتال إلى فترة طويلة، ولكن انفراط عقد الاتفاق أدى إلى تجدد الخلاف، وبرؤية إستراتيجية لا يعد هذا إخفاقا لقطر ولكن هو إخفاق للفرقاء في اليمن.
· تبنيها لمشاريع ثقافية واجتماعية ذات اثر إقليمي على رغم انحصارها في إقليم صغير جدا (11437كم) ومثال ذلك تبنيها لمؤتمرات التقريب بين المذاهب على طوال 3 سنوات الأخيرة، دعمها للإبداع العربي من خلال مشروع (بئر المعرفة) الذي أعلنت عنه الحكومة في مؤتمر الأدمغة العربية المهاجرة ومعنى ذلك تخصيص عائدات بئر بترول بالكامل للبحث العلمي، بالإضافة إلى ضمها على أرضيها لطائفة من العلماء و المفكرين العرب وهو ما يترجم حالة البحث عن القطب الثقافي في المنطقة الخليجية خصوصا و العربية عموما.
· و من النقاط الاقتصادية التي تتصل بالسياسة الخارجية القطرية التي تؤكد على البحث المتواصل من قبل الحكومة على دور عربي و إقليمي وهو ما يظهر في إستراتيجيتها الطاقوية من خلال رسمها هدف المرتبة الأولى عالميا في مجال الغاز الطبيعي بحلول سنة 2010.
كل هذا التراكم السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي لدى قطر في سعيها لإيجاد دور على الساحة الخليجية والعربية هو ما يفسر حالة النشاط الدؤوب لأميرها و رئيس وزرائها، وعلى أساس هذه الحركية لكليهما فإن السؤال الذي يمكن أن أطرحه لأحد هذين المسؤولين في نطاق العملية السياسية و الدبلوماسية الراهنة لقطر على النحو التالي: هل أن الوضع العربي و الإقليمي والدولي يخول لدولة قطر أن تلعب أدورا ذات أهمية وذات فاعلية؟ أم أن كل هذا لا يتعدى أن يكون صيحات تقول من خلالها حكومة قطر أننا دولة وأننا موجودون؟
من خلال تقصي ما سبق وغيره من حركية السياسية الخارجية لحكومة قطر، أرى أن التحقق من قدرة قطر على لعب دور هام وإيجاد مساحة بين الكبار لا يخرج على دعامتين لكل هذا وهما:
1. أولها حالة التشنج الموجودة بين قطر و المملكة العربية السعودية، وقربها من دول لا تتقارب و لا تباعد مع المملكة وأقصد ( سوريا وليبيا)، وقرب قطر من جهة أخرى من حلفاء المملكة (مصر، الأردن، الإمارات)، بالإضافة إلى ذلك تجنب دخولها في حملة العداء اتجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتحفظها في إبداء أي رأي في السجال الذي يدور حولها سياستها اتجاه المنطقة الخليجية و في العراق وفي ملفها النووي، وبالتالي فهي بذلك تجنبت التموقع بصورة ظاهرة في المعسكر الإيراني المعادي للمعسكر السعودي الأمريكي، وهو ما أوجد لدى قطر هامشا من الحركة في المنطقة العربية.
2. تبنيها (سياسة القرب المتوازن) من أمريكا ومن الغرب عموما مضافة إليهم إسرائيل – وإن كنا لا نبرر لها هذا القرب ونعتبره نقطة سوداء في سياستها- إلا أن هذه السياسية المتبعة مع الغرب لا تخدم دورها كلاعب عربي مهم بقدر ما تخدم مصالح قطر كدولة وحكومة وهي هي الحلقة التي تدركها قطر و لكنها لا تريد أن تفصح عنها بصورة واضحة.
فقطر هي اليوم دولة صغيرة التعداد و المساحة و لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تنضم على نادي الكبار إما كانوا عربا أو الفاعلين الإقليميين في المنطقة العربية، وبالتالي فإن هذه الفاعلية التي تظهرها الحكومة القطرية إنما تأتي لطبيعة الهدف الاستراتيجي للحكومة القطرية، والذي يمكن أن يجيب عن السؤال المبدئي في فهم حالة قطر وهو( عن ماذا تبحث قطر؟) و التي تتمحور في :
1. إستراتيجية الخط الأزرق: إن حكومة قطر تريد في ما تتبناه من سياسة خارجية ودبلوماسية فاعلة في الوقت الحالي الذي يشهد انقساما عربيا و دوليا، أن تطرح نفسها في العالم العربي بصورة (الخط الأزرق)، هذا الخط الذي هو الخط الفاصل التي رسمته الأمم المتحدة بين لبنان من جهة وإسرائيل وهضبة الجولان المحتلة من جهة أخرى في 7 يونيو 2000. فالرابط بين الخط الأزرق وسياسة قطر يكمن في حالة التوجس التي تسكن ضفتي الخط ولكنهما يرضيان به باعتباره الحل الأنسب في الحالة الدائمة أو المؤقتة، وكذلك هي قطر فهي دولة تطرح نفسها كطرف محايد ووسيط محايد و دولة لا يمكنها إلا أن تضمن لطرفين أو أكثر أو تضمن لغيرها من الدولة أن تلعب دور الخط الأزرق الذي يحترمه الجميع ويمقته الجميع ولكنهم مجبرين على الأخذ به في آن واحد، مثال ذلك أن اللبنانيين رغم ثنائهم على الجهد القطري من قبل الجهات الرسمية والأصوات الشعبية، إلا أن هناك من يقول أن دولة مثل قطر تغيب فيها أبجديات الديمقراطية كيف لها أن تصلح بلد يتنفس ديمقراطية، ولكن قبول وساطتها إنما يأتي لرأب الصدع و لو من قبل طرف لا يدرك أبعاد الديمقراطية، وهي حال الخط الأزرق الذي لا يمكنه أن يعبر مطلقا عن الرضا التام ولكنه يعبر عن القبول بالحل الأقل خسارة.
2. بحث عن التراكمية سياسية: إن قطر بما لديها من مقدرات مادية ضئيلة (الجغرافيا الطبيعة) وبشرية (تعداد سكاني ضئيل) إلا أن دورها العربي أصبح في مراتب متقدمة و الذي من بين أهم تقدمها في هذه المراتب هو طبيعة القيادة السياسة الحاكمة في قطر و التي تغيب نقطة مهمة مقارنة بغيرها من الدول و هي ( صغر سن القيادة من أمير الدولة ورئيس حكومتها) وهو ما يعطيها الدافع للبحث في إيجاد تراكمات سياسية تاريخية تمكنها مستقبلا من تمكين لدولاها السياسي بصورة أحسن.
أخيرا نصل إلى أن بحث حكومة قطر عن دور ذو أهمية وفعالية في الراهن العربي و الدولي ينطلق من بحث عن تجربة و تراكمات سياسية لقيادة شابة و كذلك طرح قطر لنفسها كبديل يشبه الخط الأزرق الذي يفصل يقبل به لكنه يزعج، إلا أنه يمكننا الوقوف في نهاية هذا التحليل على أن السياسة الخارجية مهما كانت قوتها أو ضعفها إلا أنها انعكاس للداخل بكل ما يحويه من مكونات و حركية وتفاعلات.